كانت الطّريق شبه خالية والسّائق يقود السّيارة بسرعة. أمّا أنا فكنت في مقعدي الخلفيّ، مائلة برأسي نحو النّافذة أتابع الخيالات البعيدة في ظلام اللّيل وهي تتراقص على وقع ضوء أعمدة الإنارة والسّيارات القليلة المُسرعة. الرّاديو لم يتوقّف عن الغليان طوال الرّحلة. لكنّ صوته بدا واضحاً جدّاً حين تركنا الطّريق السّيارة خلفنا ودخلنا وسط المدينة. كان المذيع يتحدّث عن اليابان، تلك ” المُعجزة الاقتصاديّة والصّناعيّة والاجتماعيّة “.
ظلّ يسرد كيف خرجت من حطام الحرب والدّمار إلى قمّة التّطوّر والتّقدّم رغم قلّة مواردها الطّبيعيّة وقسوة نوعيّة أراضيها وبيئتها. وأرجع الفضل في بلوغها مرتبة عالية على لائحة الدّول القويّة اقتصادياً إلى ثروتها البشريّة والمُجتمعيّة والمؤسّستيّة.
وبينما كنت غارقة مع صوت المذيع في حُلم جميل اسمه اليابان، أخذ السّائق يُبطئ من سرعة السّيارة شيئاً فشيئاً إلى أن كادت تتوقّف، ثمّ خيّل لي أنّني أستمع إلى ضربات طبل ونغمات مزمار. وحين تطلّعت إلى الطّريق أمامنا كانت مجموعة كبيرة من الشّباب بلباس “الجُبّة” التّقليدي تمشي في صفّ عريض على امتداد أكثر من نصف الشّارع تقريباً، تتقدّمها الطّبال والأهازيج، وتمشي وراءها بعض النّسوة ويتوسّطها شابٌ في كسوة مع ربطة العنق، لابدّ أنّه العريس.
ظلّت السّيارة تزحف وراءهم في بطء، وخلفنا خطّ طويل من السّيارات الأخرى التّي تتبعنا وتُطلق أبواقها بين الحين والآخر كمن يتأفّف. أمّا على الجهة المقابلة لنا، فكان صفّ السّيارات أطول بكثير وكان مُعطّلاً عن الحركة تماماً.
بقينا على تلك الحال دقائق بدت كالسّاعات في ثقلها وركاكة تتابعها، ولم يرحمنا سوى زقاق جانبيّ ظهر فجأة وأخذ يبتلع قافلة العُرس شيئاً فشيئاً وأخذت بذلك أزمة السّير تنفرج قليلاً. لا بدّ أنّ السّيارات، مثل راكبيها تماماً، كانت تنزّ عرقاً وسُخطاً.
حين انطلقت السّيارة من جديد، لا أدري ما الذّي أعاد ذاكرتي إلى قاعة الانتظار عند طبيب العيون حيث انتظرت اليوم ساعتين ونصف السّاعة رغم أنّني أتيت في الموعد الذّي حدّدته لي سكريتيرته. تلك المرأة القصيرة مُقطّبة الجبين على الدّوام والتّي لا تترك فرصة دون أن تشتكي من شدّة الضّغط في عملها وتذمّر المرضى من سوء التّنظيم وعدم احترام المواعيد.
ثمّ تذكّرت المذيع فجأة. بحثت عن صوته وسط ذلك الصّخب الشديد. أردتُ أن أهزّه من كتفته وأتوسّل إليه: ماذا كنت تقول؟ أعدني إلى اليابان أرجوك !
ملاحظة: طبيب عيون شخصيّة كبيرة جدّاً في النّظام السّابق هو ذاته طبيب عيون شخصيّة كبيرة في النّظام الحالي. لا أدري لماذا جعلني ذلك أشعر أنّه نذير شؤم.
يونيو 21, 2012 عند 8:58 ص |
مقال معبر أتمنى لصاحبته النجاح والتوفيق و هذا تعليقي :
لقد حير هذا المقال في سؤالا قديما خلته بات دفينا بلا جواب: ماهو سر اليابان ؟ (و هو تقريبا و عموما سر التنين الآسيوي). و بقية السؤال التي تفسر سببه الرئيسي: لما هم كذلك و نحن (أهل العروبة و الإسلام) على ما نحن عليه ؟ ظننت الأمر في الأول مرتبطا بالديانة (البوذية غالبا و الشنتو) و هي ديانات (عريقة) تدعو إلى الاصطفاء بالروح و تقديس القيم البناءة مثل الاحترام و الإستقامة والإخلاص في العمل. لكني سرعان ما قارنتها بالسلام فوجدت فيه ما يضاهي تلك القيم و أحسن منها. و هنا اكتفيت بنصف إجابة: قد يكمن العيب في القراءة و التأويل و قد يكن اليابانيون قد تعلموا من أخطائهم حيث أصررنا نحن على التمادي في أخطائنا (مثال: اضطهاد النساء الذي كانوا قد برعوا فيه والذي يكاد يكن قد اختفى اليوم من جزر الشمس المشرقة). قد يكن سبب تقدمهم نابعا من محدودية دور الألوهية في ديانتهم (و إن كثرت الآلهة عندهم). فرسالة بوذا إنسانية-إنسانية و إن عمد البعض إلى تأليهه، و هذه يقرب الإنسان من الإنسان ي يجعله يأمل في دنياه.
ثم توجهت لدراسة التاريخ لبناء مقارنة بين نشأة شعبنا التونسي و نشأة شعب اليابان. و هنا تكمن خصائص متضاربة فشعبنا حديث الولادة أما هم فشعب عريق أصيل و متأصل. وخلتني هنا وجدت بقايا الإجابة عن سؤالي: ففي حين مرت علينا حقبات متابينة (ثرية لكن مختلفة و تنقصها الاستمرارية) فإن صرح اليابان بناء مستمر منذ آلاف السنين لم يفقد سيادته إلا في فترات محدودة و بذلك يكن له فضل التعلم المتواصل في حين كان لنا كتونسيين فضل التكيف والتأقلم و ربما علمنا ذلك ما لم يعلمهم (الانفتاح على الآخر) لكن دون إن يجعلنا “أفضل” منهم في نهاية الأمر. هنا أعرج على آخر الحلقات أهمية في تاريخ اليابان المعاصر و هي نهاية الحرب العالمية الثانية و مآسي هيروشيما و ناجازاكي الذرية. شعب كان ذا سيادة يذوق طعم الهزيمة بل ويدك دكا ثم ينهض (بدافع النخوة و طيف السيادة المسلوبة) ليصبح ندا لمن هزمه خلال بعض العشريات. هنا لا تجوز المقارنة مع تونس فحين حل بنا الفرنسيون سنة 1881 لم يشكل ذلك فرقا كبيرا حيث كانت تونس و منذ قرون مستعمرة لهذا و ذاك على اختلاف المستعمرين و أساليبهم.
خلاصة ما توصلت إليه قد تكون متاشئمة بعض الشيء و لكن قد يجب الإنتظار لبعض الالفيات ( أو ربما لبعض القرون فقط، فالشعوب تتغير بسرعة في عالمنا هذا الذي غلبت عليه الحداثة) حتى يصبح لنا إحساس بالانتماء مثل ذلك الذي يوجد في اليابان تكون أسسه ضاربة فالتاريخ و نتيجة ذلك الحتمية رفض التخلف في صفوف الأمم و إبتغاء تذوق نشوة السيادة والتقدم عليها …
يونيو 21, 2012 عند 1:51 م |
أحببتُ هذه المقارنة وهذا التّحليل.
شكراً جزيلاً لك.